عبد الوهاب الشعراني

124

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

« انظروا إلى داخل إزاره فوجدوا دينارا أو دينارين ، فقال : كيّتان أو كيّة من نار » . وفي رواية : فوجدوا دينارا فقال : « كيّة من نار » . قال الحافظ المنذري : وإنما جعل صلى اللّه عليه وسلم ذلك الدينار أو الدينارين كيتين أو كية من نار ، لأنه ادخر مع تلبسه بالفقر ظاهرا ، وشارك الفقراء فيما يأتيهم من الصدقة والأحاديث في ذلك كثيرة ، واللّه تعالى أعلم . [ الإذن لزوجاتنا بالتصدق من مالنا : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نأذن لزوجاتنا في التصدق بما جرت به العادة من مالنا ولا نمنعها من ذلك طلبا لنزول الرحمة على بيتنا في غيبتنا وحضورنا ، ولتدوم النعمة أيضا علينا ، وهذا العهد يخل به كثير من الناس فيمنع زوجته أن تتصدق برغيف أو مغرفة طعام على فقير ، فيكون ذلك سببا لتضييق الرزق على أهل البيت ، وكذلك لا نمنعها أن تقري الضيف في غيبتنا على طريق العرب العرباء ، لكن من غير مخالطة للضيوف والأجانب ، وقد كان على هذا القدم سيدي الشيخ عثمان الحطاب ، والحافظ الشيخ عثمان الديمي فكان كل منهما يذهب إلى بيت الآخر في غيبته ، ويجلس مع امرأة أخيه وتخرج له ما يأكل وما يشرب ، فكانا من أولياء اللّه تعالى ، لكن أنى لنا في هذا الزمان أن يظفر أحدنا بأخ صالح يأمنه على الخلوة بعياله بحيث لا يتخلله تهمة فيه ، فو اللّه لقد قل الصادقون الذين يؤتمنون على مثل ذلك ، فنوصي عيالنا أن يخرجوا للضيف ما يأكل وما يشرب مع الخادم ولا يختلطن به . واعلم يا أخي أنه كلما كثر طعامك للناس كلما كثرت النعمة عليك ، فإن اللّه تعالى يسوق لكل عبد من الرزق بقدر ما يعلم في قلبه من السخاء والكرم ، فمنهم من يكون عنده قوت خمسة أنفس ، ومنهم من يكون عنده قوت عشرة ، وهكذا إلى الألف نفس أو أكثر ، فتعرف مراتب الناس في الكرم بقدر عيالهم ، وقد يكون بعض الأولياء يطلب لنفسه الخفاء والتجرد ، فلا يكون عنده أحد وهو في غاية الكرم ، ويود أن لو كان كل من في الدنيا عائلته ، فمثل هذا يعطيه اللّه تعالى في الآخرة أجر من عال جميع الخلق وراثة محمدية ، فيحصل له هذا الثواب العظيم مع الخفاء وعدم الشهرة ، فإن اللّه هو الرزاق للعبد ، ومن كان هذا مشهده فكثرة العيال وقلتهم عنده سواء لا يتحمل هما من جهتهم أبدا ، وإنما يلحقه بعض كرب إذا توجهت العائلة إليه من حيث كونه واسطة مع عدم شهودهم أن اللّه هو الرزاق ، فيقصرون نظرهم على ذلك العبد فيؤثرون فيه الضيق والكرب حتى يصل إليهم رزقهم الذي قسمه اللّه لهم على يده ، ولو أنهم كلهم كانوا متوجهين إلى اللّه دونه ما تأثر من جهتهم قط ولا حمل هما . وقد كان سيدي أحمد الزاهد يقول : وعزة ربي لو كان أهل مصر كلهم عيالي ما طرقني هم أبدا لعلمي بأن القسمة وقعت في الأزل فلا زيادة ولا نقص ، ولا يقدر أحد